ابن أبي مخرمة
661
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وسئل عن العارف فقال : من نطق عن سرك وأنت ساكت . ورئيت في يده سبحة ، فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ سبحة في يدك ؟ فقال : طريق وصلت به إلى ربي ، لا أفارقه . وكان رضي اللّه عنه من صغره منطقا بالمعارف والحكم ، حتى إن خاله السري سئل عن الشكر والجنيد يلعب مع الصغار ، فقال له : ما تقول يا غلام ؟ فقال : الشكر ألّا تستعين بنعمه على معاصيه ، فقال السري : ما أخوفني عليك أن يكون حظك في لسانك ، فقال الجنيد : فلم أزل خائفا من قوله هذا حتى دخلت عليه يوما بشيء كان محتاجا إليه ، فقال لي : أبشر ؛ فإني دعوت اللّه عزّ وجل أن يسوق لي ذلك على يد مفلح أو موفق . اللهم ؛ إنا نسألك التوفيق . قال رحمه اللّه : قال لي خالي : تكلم على الناس ، وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس ؛ فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك ، فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام وكانت ليلة جمعة ، فقال لي : تكلم على الناس ، فانتبهت ، وأتيت باب السري قبل أن يفتح ، فدققت الباب ، فقال لي : لم تصدق حتى قيل لك هذا ؟ ! فقعدت في غد للناس بالجامع ، وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس ، فوقف علي غلام نصراني متنكرا وقال : أيها الشيخ ؛ ما معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور اللّه » فأطرقت ساعة ، ثم رفعت رأسي فقلت له : أسلم ، فقد حان وقت إسلامك ، فأسلم الغلام . وفي ذلك كرامتان للجنيد : اطلاعه على كفر الغلام ، وعلى أنه سيسلم في الحال ، وكل ذلك باطلاع اللّه تعالى له تفضلا وتكرما . قال الشيخ اليافعي : ( وذكر بعض المشايخ أنه لما صنف عبد اللّه بن سعيد بن كلّاب كتابه الذي رتبه على جميع المذاهب . . قال : هل بقي أحد ؟ قيل له : نعم ، طائفة يقال لها : الصوفية ، قال : هل لهم من إمام يرجعون إليه ؟ قيل : نعم ، الأستاذ أبو القاسم الجنيد ، فأرسل إليه يسأله عن حقيقة مذهبه ، فأجابه أن مذهبنا إفراد القدم عن الحدث ، وهجران الإخوان والأوطان ، ونسيان ما يكون وما كان ، فتعجب ابن كلّاب من هذا الجواب وقال : هذا شيء أو كلام لا يمكن فيه المناظرة ، ثم حضر مجلس الجنيد وسأله عن التوحيد ، فأجابه بعبارة مشتملة على معارف الأسرار والحكم فقال : أعد علي ما قلت ، فأعاده بعبارة